الأحد، 1 أبريل 2012

أول من أسلم من الصبيان

هو الإمام علي بن ابي طالب رضي الله عنه رابع الخلفاء الراشدين 

كان علي بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، ويستوحش من الدنيا زهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان غزير العبرة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، لا ييأس الضعيف من عدله

نشأة علي رضي الله عنه و نسبه

هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن عم رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وزوج ابنته فاطمة رضي الله عنها، ووالد سبطيه الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، له في الإسلام السابقة العظيمة، والمآثر الجليلة، فهو أول من أسلم من الصبيان، ونام في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة.

 إسلامه : 

هو أول من أسلم من الصبيان أسلم بعد خديجة وأبي بكر، وقيل بل قبل أبي بكر، وعمره عشر سنين أوخمس عشرة سنة، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، تآخى النبي صلى الله عليه وسلم معه عندما آخى بين المسلمين، وقال أنت أخي في الدنيا والآخرة.
وفي رواية في الفضائل عن ابن عباس : أن عليا أول من أسلم
عن قتادة عن الحسن وغيره : أن عليا أول من أسلم بعد خديجة ، وهو يومئذ ابن خمس عشرة سنة ، أو ست عشرة سنة
وروى ابن الأثير في أسد الغابة : بسنده يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال : ثم إن علي بن أبي طالب جاء بعد ذلك بيوم - يعني بعد إسلام خديجة وصلاتها معه - قال : فوجدهما يصليان ، فقال علي : يا محمد ، ما هذا ؟ فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : دين الله الذي اصطفى لنفسه ، وبعث به رسله ، فأدعوك إلى الله وإلى عبادته ، وكفر باللات والعزى ، فقال له علي : هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم ، فلست بقاض أمرا ، حتى أحدث أبي طالب ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
أن يفشي عليه سره قبل أن يستعلن أمره ، فقال له : يا علي : إن لم تسلم فاكتم ، فمكث علي تلك الليلة ، ثم إن الله أوقع في قلب علي الإسلام ، فأصبح غاديا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى جاءه فقال : ماذا عرضت علي يا محمد ؟ فقال
له رسول الله صلى الله عليه وسلم : تشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وتكفر باللات
وفي رواية عن أنس بن مالك قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم ، يوم الاثنين ، وأسلم علي يوم الثلاثاء

 علي بن أبي طالب في ميزان الإسلام

لا يعبر عن جليل قدره، وعظم مكانته إلا ما ورد عن رسول الله  صلى الله عليه و سلم من أحاديث منها:
عن جابر رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله  صلى الله عليه و سلم إلى نخيل امرأة من الأنصار، فقال: يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فطلع أبو بكر، فبشرناه، ثم قال: يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فطلع عمر، فبشرناه، ثم قال: يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وجعل ينظر من النخل، ويقول: اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ عَلِيًّا. فطلع عليّ، وفي رواية أخرى: فدخل عليّ، فهنأناه
وقد شهد له رسول الله  صلى الله عليه و سلم ، بأنه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله  صلى الله عليه و سلم قال يوم خيبر: لأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلاً يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها. قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله  صلى الله عليه و سلم كلهم يرجون أن يعطاها، فقال: أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ.
فأتي به، فبصق رسول الله  صلى الله عليه و سلم في عينيه، ودعا له فبرئ، حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال عليّ: يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِي اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْر النَّعَمِ
بل جعل النبي  صلى الله عليه و سلم محبة سيدنا عليٍّ من علامات الإيمان، وبغضه من علامات النفاق، فقد قال عليّ رضي الله عنه: والذي فلق الجبة، وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي صلى الله عليه وسلم إليّ: لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق.
وقد أعلى رسول الله  صلى الله عليه و سلم مكانته، وقربه منه، حتى قال له لما استخلفه على المدينة في غزوة تبوك: أَلاَ تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟ إِلاَّ أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيُّ بَعْدِي.
وجعل  صلى الله عليه و سلم إيذاء عليٍّ إيذاءً له شخصيًا، فعن عمرو بن شاس الأسلمي، وكان من أصحاب الحديبية، قال: خرجت مع عليٍّ إلى اليمن، فجفاني في سفري ذلك حتى وجدت في نفسي عليه، فلما قدمت أظهرت شكايته في المسجد حتى بلغ ذلك صلى الله عليه وسلم، فدخلت المسجد ذات غدوة، ورسول الله  صلى الله عليه و سلم في ناس من أصحابه، فلما رآني أمدّني عينيه -يقول: حدّد إليَّ النظر- حتى إذا جلست قال: يَا عَمْرُو، وَاللَّه لَقَدْ آذَيْتَنِي. قلت: أعوذ بالله أن أوذيك يا رسول الله. قال: بَلَى مَن آذَى عَلِيًّا فَقَدْ آذَانِي.
ولم تكن المكانة لعليّ عند رسول الله  صلى الله عليه و سلم غريبة، فإن السبب منزلته عند الله عز وجل، فعن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله  صلى الله عليه و سلم : "إِنَّ اللَّه أَمَرَنيِ بِحُبِّ أَرَبَعَةٍ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُحِبُّهُمْ". قيل: يا رسول الله، سمهم لنا. قال: "عَلِيٌّ مِنْهُمْ- يقول ذلك ثلاثًا- وَأَبُو ذَرٍّ، وَالْمِقْدَادُ، وَسَلْمَانُ، أَمَرَنِي بِحُبِّهِمْ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُحِبُّهُمْ".
ومن هنا صار عليّ حبيب الله، وحبيب رسول الله  صلى الله عليه و سلم ، لذا فقد آخى رسول الله  صلى الله عليه و سلم بين نفسه وعليٍّ، فيروي سعيد بن المسيب أن رسول الله  صلى الله عليه و سلم آخى بين أصحابه فبقي رسول الله  صلى الله عليه و سلم ، وأبو بكر، وعمر، وعليّ، فآخى بين أبي بكر وعمر، وقال لعليٍّ: "أَنْتَ أَخِي وَأَنَا أَخُوكَ".

أقوال الصحابة والتابعين

- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا حدثنا ثقة عن عليّ بفُتيا، لا نعدوها.
- أخرج ابن عساكر عن ابن عباس أيضًا قوله: ما نزل في أحدٍ من كتاب الله تعالى ما نزل في عليٍّ.
- وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: ما كنا نعرف المنافقين إلا بتكذيبهم الله ورسوله، والتخلف عن الصلوات، والبغض لعليٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه .
- ولما جاء خبر قتل عليٍّ إلى معاوية أخذ يبكي، فقالت امرأته: ما يبكيك وقد قاتلته؟ فقال: ويحك، إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والعلم والفقه.
- وطلب معاوية رضي الله عنه في خلافته من ضرار الصدائي أن يصف عليًا رضي الله عنه ، فقال له: أعفني يا أمير المؤمنين. قال: لتصنفه.
-      
قال: أما إذا كان لا بد من وصفه، فقد كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، ويستوحش من الدنيا زهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان غزير العبرة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، وكان فينا كأحدنا، يحبنا إذا سألناه، ونحن والله لا نكاد نكلمه إلا هيبة، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، لا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد أني قد رأيته في بعض مواقفه يقول: يا دنيا غُرّي غيري، إليّ تعرضت أم إليّ تشوفت؟! هيهات هيهات، قد باينتك ثلاثًا لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك قليل، آه من قلة الزاد وبعد السفر، ووحشة الطريق. فبكى معاوية رضي الله عنه وقال: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك.
- وسئل الحسن البصري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: كان عليّ والله سهمًا صائبًا من مرامي الله على عدوه، ورباني هذه الأمة، وذا فضلها، وذا سابقتها، وذا قرابتها من رسول الله  صلى الله عليه و سلم ، لم يكن بالنومة (الخامل) عن أمر الله، ولا بالملومة في دين الله، ولا بالسروقة لمال الله، أعطى القرآن عزائمه ففاز منه برياض مونقة.
- وقال سعيد بن المسيب رحمه الله: ما كان أحد بعد رسول الله  صلى الله عليه و سلم أعلم من عليٍّ بن أبي طالب.
- وقال مسروق: انتهى علم أصحاب النبي  صلى الله عليه و سلم إلى هؤلاء النفر عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأبي موسى الأشعري.
- وقال عبد الله بن عياش: كان لعليٍّ ما شئت من ضرسٍ قاطع في العلم، وكان له البسطة، في العشيرة، والقدم في الإسلام، والعهد برسول الله، والفقه في السنة، والنجدة في الحرب، والجود في المال.

مما نزل في علي من القرآن

جاء في صحيح البخاري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة.
وقال قيس بن عباد: وفيهم أنزلت: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الحج:19]. قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر: حمزة وعليّ وعبيدة أو أبو عبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة.

زواج علي من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم

كان عليّ يريد الزواج من السيدة فاطمة بنت رسول الله  صلى الله عليه و سلم ، ولكن ضيق ذات اليد منعه أن يخطبها، ويتزوجها، حتى خُطبت السيدة فاطمة إلى رسول الله  صلى الله عليه و سلم ، هنا نترك المجال لعلي بن أبي طالب ليروي بنفسه قائلاً: خُطبت فاطمة إلى رسول الله  صلى الله عليه و سلم ، فقالت مولاة لي: هل علمت أن فاطمة قد خُطبت إلى رسول الله  صلى الله عليه و سلم ؟ قلت: لا. قالت: فقد خطبت، فما يمنعك أن تأتي رسول الله فيزوجك؟ فقلت: وعندي شيء أتزوج به؟ فقالت: إنك إن جئت رسول الله  صلى الله عليه و سلم زوجك. قال: فوالله ما زالت ترجّيني حتى دخلت على رسول الله.
دخل عليّ رضي الله عنه على رسول الله  صلى الله عليه و سلم يريد أن يخطب فاطمة، فقعد بين يديه، لكنه لم يستطع الكلام لهيبته  صلى الله عليه و سلم ، فقال: مَا جَاءَ بِكَ؟ أَلَكَ حَاجَةٌ؟ فسكت. فقال عليه الصلاة والسلام: لَعَلَّكَ جِئْتَ تَخْطِبُ فَاطِمَةَ. فقال: نعم. قال: وَهَلْ عِنْدَكَ مَنْ شَيْءٍ تَسْتَحِلُّهَا بِهِ؟ فقال: لا والله يا رسول الله. فقال: مَا فَعَلْتَ بِالدِّرْعِ الَّتِي سَلَّحْتكَهَا؟ فقال: عندي، والذي نفس عليٍّ بيده إنها لحطيمة ما ثمنها أربعمائة درهم. قال: قَدْ زَوَّجْتُكَ فَابْعَثْ بِهَا. فإن كانت لصداق فاطمة بنت رسول الله  صلى الله عليه و سلم .
أما عن أثاث العرس، فقد كان يليق بزوجين من آل بيت النبوة، لا تعرف الدنيا لقلبهما طريقًا، فعن عليٍّ قال: جهز رسول الله  صلى الله عليه و سلم فاطمة في خميلة (وهي قطيفة بيضاء من الصوف) ووسادة أدم حشوها ليف.
وفي ليلة العرس قال رسول الله  صلى الله عليه و سلم لعليٍّ: لاَ تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَلْقَانِي. فدعا رسول الله بماء فتوضأ منه، ثم أفرغه على عليٍّ وقال: اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِمَا، وَبَارِكْ عَلَيْهِمَا، وَبَارِكْ لَهُمَا فِي نَسْلِهِمَا.

المصدر : موقع قصة الإسلامي  ( ما عدا فقرة إسلامه )

السبت، 31 مارس 2012

أول من آمن من النساء والرجال

إنها السيدة خديجة بنت خويلد رضوان الله عليها.. الزوجة المثالية التي تدفع زوجها إلى مدارج الكمال ومراتب العظمة، فهي بالفعل أم المؤمنين، وقدوة المؤمنات، التي جسدت خلق المرأة المثالية في علاقتها مع زوجها من المودة والسكن، والحب والوفاء، والبذل والعـطاء، وتحمل المحن والشدائد دون تأفف أو تضجر

اسمها وشرف نسبها

هي أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد بن أسدٍ بن عبد العزَّى بن قصي القرشية الأسدية، وأمها فاطمة بنت زائدة بنت جندب. ولدت بمكة سنة 68 ق.هـ، وكانت من أعرق بيوت قريشٍ نسبًا وحسبًا وشرفًا، وقد نشأت على التخلُّق بالأخلاق الحميدة، وكان من صفاتها الحزم والعقل والعفة. يلتقي نسبها بنسب النبي صلى الله عليه وسلم في الجد الخامس، فهي أقرب أمهات المؤمنين إلى النبي  صلى الله عليه وسلم، وهي أول امرأة تزوَّجها، وأول خلق الله أسلم بإجماع المسلمين.

في الجاهلية

في الجاهلية وقبل لقاء رسول الله  صلى الله عليه وسلم كانت السيدة خديجة -رضي الله عنها- امرأة ذات مال وتجارة رابحة، فكانت تستأجر الرجال لتجارتها وتبعثهم بها إلى الشام، ومرت الأيام ووصل إلى مسامعها ذكر "محمد بن عبد الله" كريم الأخلاق، الصادق الأمين، وكان قلَّ أن تسمع في الجاهلية بمثل هذه الصفات، فأرسلت إليه وعرضت عليه الخروج في مالها تاجرًا إلى الشام، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار.

وحينها قَبِل ذلك منها  صلى الله عليه وسلم، وخرج في مالها ومعه غلامها "ميسرة" حتى قدم الشام، وهناك نزل رسول الله  صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة قريبًا من صومعة راهب، فاطّلع الراهب إلى ميسرة وقال: من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ قال ميسرة: هذا الرجل من قريش من أهل الحرم. فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قَطُّ إلا نبي. ثم باع رسول الله  صلى الله عليه وسلم سلعته التي خرج بها واشترى ما أراد، ولما قدم مكة على السيدة خديجة بمالها باعت ما جاء به، فربح المال ضعف ما كان يربح أو أكثر.

وأخبرها ميسرة عن كرم أخلاقه  صلى الله عليه وسلم وصفاته المتميزة التي وجدها فيه أثناء الرحلة، فرغبت في الزواج منه، فتزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، والسيدة خديجة يومئذ بنت أربعين سنة.

وكان قد قُدِّر لخديجة -رضي الله عنها- أن تتزوج مرتين قبل أن تتشرَّف بزواجها من رسول الله  صلى الله عليه وسلم، وقد مات عنها زوجاها، وتزوجها رسول الله  صلى الله عليه وسلم قبل الوحي، وعاشت معه خمسًا وعشرين سنة؛ فقد بدأ معها في الخامسة والعشرين من عمره، وكانت هي في الأربعين، وظلا معًا إلى أن توفاها الله وهي في الخامسة والستين، وكان عمره  صلى الله عليه وسلم في الخمسين، وهي أطول فترة أمضاها النبي مع هذه الزوجة الطاهرة من بين زوجاته جميعًا، وهي -وإن كانت في سن أمِّه  صلى الله عليه وسلم- أقرب زوجاته إليه؛ فلم يتزوج عليها غيرها طوال حياتها، وكانت أم ولده الذكور والإناث إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية رضي الله عنها، فكان له منها  صلى الله عليه وسلم: القاسم وبه كان يُكنَّى، وعبد الله، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة.

إسلامها

كانت السيدة خديجة -رضي الله عنها- قد ألقى الله في قلبها صفاء الروح، ونور الإيمان، والاستعداد لتقبُّل الحق، فحين نزل على رسول الله  صلى الله عليه وسلم في غار حراء {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1]، رجع ترجف بوادره وضلوعه، حتى دخل على السيدة خديجة فقال: "زملوني زملوني". فزملوه حتى ذهب عنه الروع.

وهنا قال لخديجة رضي الله عنها: "أَيْ خديجة، ما لي لقد خشيت على نفسي". وأخبرها الخبر، فردت عليه السيدة خديجة -رضي الله عنها- بما يطيِّب من خاطره، ويهدئ من روعه فقالت: "كلا أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".

ثم انطلقت به رضي الله عنها حتى أتت به ورقة بن نوفل -وهو ابن عم السيدة خديجة رضي الله عنها، وكان امرأً تنصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي- فأخبره النبي  صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فأعلمه ورقة أن هذا هو الناموس الذي أُنزل على موسى عليه السلام.

ومن ثَمَّ كانت السيدة خديجة -رضي الله عنها- أول من آمن بالله ورسوله وصدَّق بما جاء به، فخفف الله بذلك عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم؛ لا يسمع شيئًا يكرهه من ردٍّ عليه وتكذيب له فيحزنه إلا فرَّج الله عنه بها، إذا رجع إليها تثبته وتخفف عنه وتصدقه وتهوِّن عليه أمر الناس.

خديجة.. العفيفة الطاهرة

كان أول ما يبرز من ملامح السيدة خديجة الشخصيَّة صفتي العفة والطهارة، هاتان الصفتان التي قلما تسمع عن مثلهما في بيئة لا تعرف حرامًا ولا حلالاً، في بيئة تفشت فيها الفاحشة حتى كان البغايا يضعن شارات حمراء تنبئ بمكانهن.

وفي ذات هذه البيئة، ومن بين نسائها انتزعت هذه المرأة العظيمة هذا اللقب الشريف، ولقبت بـ"الطاهرة"، كما لُقب  صلى الله عليه وسلم أيضًا في ذات البيئة بـ"الصادق الأمين"، ولو كان لهذه الألقاب انتشار في هذا المجتمع آنذاك، لما كان لذكرها ونسبتها لأشخاص بعينهم أهمية تذكر.

خديجة.. الحكيمة العاقلة

وتلك هي السمة الثانية التي تميز بها شخص السيدة خديجة رضي الله عنها، فكل المصادر التي تكلمت عن السيدة خديجة -رضي الله عنها- وصفتها بـ"الحزم والعقل"، كيف لا وقد تجلت مظاهر حكمتها وعقلانيتها منذ أن استعانت به  صلى الله عليه وسلم في أمور تجارتها، وكانت قد عرفت عنه الصدق والأمانة.

ثم كان ما جاء في أبلغ صور الحكمة، وذلك حينما فكرت في الزواج منه  صلى الله عليه وسلم، بل وحينما عرضت الزواج عليه في صورة تحفظ ماء الوجه؛ إذ أرسلت السيدة نفيسة بنت منية دسيسًا عليه بعد أن رجع من الشام؛ ليظهر وكأنه هو الذي أرادها وطلب منها أن يتزوجها.

ونرى منها بعد زواجها كمال الحكمة وكمال رجاحة العقل، فها هي تستقبل أمر الوحي الأول بعقلانية قلَّ أن نجدها في مثل هذه الأحوال بالذات؛ فقد رفضت أن تفسِّر الأمر بخزعبلات أو أوهام، بل استنتجت بعقليتها الفذة وحكمتها التي ناطحت السحاب يوم ذاك أن الله لن يخزيه، ثم أخذته إلى ورقة بن نوفل ليدركا الأمر. وهذه طريقة عقلانية منطقية بدأت بالمقدمات وانتهت بالنتائج المترتبة على هذه المقدمات، فيا لها من عاقلة! ويا لها من حكيمة!

خديجة.. نصير رسول الله

وهذه السمة من أهم السمات التي تُميِّز شخص السيدة خديجة رضي الله عنها، تلك المرأة التي وهبت نفسها ومالها وكلّ ما ملكت لله ولرسوله  صلى الله عليه وسلم، ويكفي في ذلك أنها آمنت بالرسول  صلى الله عليه وسلم وآزرته ونصرته في أحلك اللحظات التي قلما تجد فيها نصيرًا أو مؤازرًا أو معينًا.

ثم هي -رضي الله عنها- تنتقل مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم من حياة الراحة والاستقرار إلى حياة الدعوة والكفاح والجهاد والحصار، فلم يزدها ذلك إلا حبًّا لمحمد وحبًّا لدين محمد  صلى الله عليه وسلم، وتحديًا وإصرارًا على الوقوف بجانبه، والتفاني في تحقيق أهدافه.

فلما خرج رسول الله  صلى الله عليه وسلم مع بني هاشم وبني عبد المطلب إلى شعاب مكة في عام المقاطعة، لم تتردد -رضي الله عنها- في الخروج مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم لتشاركه -على كبر سنها- أعباء ما يحمل من أمر الرسالة الإلهية التي يحملها، فقد نَأَتْ بأثقال الشيخوخة بهمة عالية، وكأنها عادت إليها صباها، وأقامت في الشعاب ثلاث سنين وهي صابرة محتسبة للأجر عند الله تعالى.

وكأن الله اختصها بشخصها لتكون سندًا وعونًا للرسول  صلى الله عليه وسلم في إبلاغ رسالة رب العالمين الخاتَمة، فكما اجتبى الله عز و جل رسوله محمد  صلى الله عليه وسلم واصطفاه من بين الخلق كافة، كذلك قدَّر له في مشوار حياته الأول لتأدية الرسالة العالمية مَن تضارعه أو تشابهه لتكون شريكًا له في حمل هذه الدعوة في مهدها الأول، فآنسته وآزرته وواسته بنفسها ومالها في وقت كان الرسول  صلى الله عليه وسلم في أشد الاحتياج لتلك المواساة والمؤازرة والنصرة.

فضائلها

خير نساء الجنة

لا شك أن امرأة بمثل هذه الأوصاف لا بد أن يكون لها منزلة رفيعة، فها هو الرسول  صلى الله عليه وسلم يعلن في أكثر من مناسبة بأنها خير نساء الجنة؛ فقد روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي  صلى الله عليه وسلم قال: "حسبك من نساء العالمين: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون".

يقرئها ربها السلام

ليس هذا فحسب، بل يُقرِئُها المولى عز و جل السلام من فوق سبع سموات، ويبشرها ببيت من قصب في الجنة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: أتى جبريلٌ النبيَّ  صلى الله عليه وسلم فقال: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلاَمَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لاَ صَخَبَ فِيهِ وَلاَ نَصَبَ".

حب النبي لخديجة.. والوفاء لها

فكان حقًّا أن يكون لهذه الطاهرة فضل ومكانة عند رسول الله  صلى الله عليه وسلم، تسمو على كل العلاقات، وتظل غُرَّة في جبين التاريخ عامَّة وتاريخ العلاقات الأسرية خاصَّة؛ إذ لم يتنكَّر  صلى الله عليه وسلم لهذه المرأة التي عاشت معه حلو الحياة ومرها، بل ويعلنها على الملأ وبعد وفاتها؛ وفاءً لها وردًّا لاعتبارها: "إني قد رزقت حبها".

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إنه  صلى الله عليه وسلم لم يكد ينساها طيلة حياته وبعد وفاتها، إذ كان يكثر ذكرها ويتصدق عليها؛ تروي السيدة عائشة -رضي الله عنها- فتقول: ما غِرْتُ على أحد من نساء النبي  صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة رضي الله عنها، وما رأيتها، ولكن كان النبي  صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة رضي الله عنها، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة. فيقول: "إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد".

وفاتها

تاقت روح السيدة خديجة -رضي الله عنها- إلى بارئها، وكان ذلك قبل هجرته إلى المدينة المنورة بثلاث سنوات، ولها من العمر خمس وستون سنة، وأنزلها رسول الله  صلى الله عليه وسلم بنفسه في حفرتها، وأدخلها القبر بيده.

وتشاء الأقدار أن يتزامن وقت وفاتها والعام الذي تُوفِّي فيه أبو طالب عم رسول الله  صلى الله عليه وسلم، الذي كان أيضًا يدفع عنه ويحميه بجانب السيدة خديجة رضي الله عنها؛ ومن ثَمَّ فقد حزن الرسول  صلى الله عليه وسلم ذلك العام حزنًا شديدًا حتى سُمي "عام الحزن"، وحتى خُشي عليه  صلى الله عليه وسلم، ومكث فترة بعدها بلا زواج.

المصدر : موقع قصة الإسلام